هل يُمكن أن يكون المهندس شاعرًا أو فنانًا؟- م/ خالد عمر
عندما نسمع كلمة “مهندس” يتبادر إلى أذهاننا شخصٌ يرتدي خوذة يتعامل مع الخطط الإنشائية أو يعمل ببرمجة أنظمة معقّدة لكن ماذا لو أخبرناك أن هذا المهندس قد يضع الخوذة جانبًا مساءً ليكتب قصيدةً تُلامس القلوب أو يرسم لوحةً تدهش العيون؟
يبدو السؤال غريبًا وربما يحمل في طيّاته شيئًا من التحدّي
هل يُمكن للمنطق والعقلانية وهما سمتان لصيقتان بالهندسة أن يتعايشا مع الحسّ الفني والانفعالات الشعرية ؟
الإجابة ببساطة نعم وبكل فخر، بل إن التاريخ والمجتمعات الحديثة يزخران بنماذج لامعة جمعت بين صلابة الهندسة ورقّة الإبداع
بين الهندسة والشعر.. جسر من الدهشة
الهندسة ليست مجرد أرقام ومعادلات بل هي فن في حد ذاتها تتطلب خيالًا ورؤية وإحساسًا بالتناغم وهذا ما يجعل كثيرًا من المهندسين ينجذبون تلقائيًا إلى عالم الفن بمختلف أشكاله
نماذج أبدعت خارج المألوف
عباس بن فرناس (810–887م)

كان عالمًا ومهندسًا في الأندلس وصمم أول نموذج للطيران
في الوقت نفسه كان شاعرًا وفيلسوفًا وترك إرثًا أدبيًا يُدرس حتى اليوم، ويُعتبر نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي الذي لم يفصل بين العلم والأدب
حسن فتحي (1900–1989م)
مهندس معماري مصري اشتهر بمهندس الفقراء، لتصميمه مساكن شعبية من الطين، كان يرى أن العمارة فنٌ قبل أن تكون حسابًا وكتب كتابات نقدية تجمع بين الفلسفة والهندسة
عُرف بأسلوبه الأدبي الرصين في شرح أفكاره مما جعل كتاباته أقرب إلى الأدب منها إلى التقارير الفنية
الدكتور مهندس أحمد زكي 1946م – 2005
عالم الكيمياء المصري الشهير كان أيضًا أديبًا وصاحب مقالات فلسفية في العلم والحياة مزج فيها بين اللغة الأدبية والدقة العلمية
المهندس فاروق شوشة 1936م – 2016
رغم أن دراسته الأولى كانت في الهندسة إلا أنه تحوّل لاحقًا إلى واحد من كبار شعراء العرب وأحد حماة اللغة العربية المعاصرين
هيربرت هوفر – رئيس الولايات المتحدة الأمريكية
قبل أن يصبح رئيسًا كان مهندسًا مدنيًا عمل في مشاريع حول العالم ولديه كتب ومقالات عن الحياة والسياسة كُتبت بأسلوب أدبي راقٍ
المهندس ليوناردو دافنشي
رغم أنه يُعرف كفنان إلا أن دافنشي كان مهندسًا ومخترعًا سبق عصره ولوحاته المبهرة كانت تعبيرًا عن عقل هندسي خلاق يرى الجمال في التفاصيل
إسحاق نيوتن
كان مهندسًا أيضًا بجانب كونه عالِمًا في الفيزياء والرياضيات وكتب في الفلسفة واللاهوت بأسلوب عميق يقترب من الشعر
وماذا عن مهندس اليوم؟
نعيش في عصر يتقاطع فيه العلم والفن أكثر من أي وقت مضى نرى مهندسين يصنعون أفلام رسوم متحركة ويبتكرون آلات موسيقية ذكية ويكتبون خواطرهم على فيسبوك بطريقة تُدهش الأدباء
في الحقيقة الهندسة لم تعد نهاية المسار الإبداعي بل بدايته، فلا تتفاجأ إن سمعت أن زميلك في المكتب كتب ديوان شعر أو رأيت مهندسة تزيّن جدران بيتها برسوم من صنع يدها
ختامًا
نعم المهندس يمكن أن يكون شاعرًا فنانًا وحتى فيلسوفًا
فالخيط الرفيع الذي يجمع بين الهندسة والفن هو ذلك الشغف بالخلق والإبداع
ولعلّ أجمل ما في الأمر أن من يُتقن لغة العقول يمكنه أن يُتقن لغة القلوب أيضًا