يوم استثنائي- م/ أحمد بدري حافظ
يخبئ حلمه بين أضلعه .. كل يوم ينمو داخله، تزداد إمكانية تحقيقه بعدا، يسكن أحشاءه صهد، تتعالى رائحة الشواء، يلتهم أحزانه صامتا، أنات أطفاله الجوعى ..دموع زوجه المتسربلة حزنا تطرده إلي الشارع، لعله يجد وسيلة لإخراس الأنات وتجفيف الدموع، تتلقفه الشوارع والأزقة تسلمه إلي بعضها البعض .. تترنح أقدامه .. يكاد أن يصاب بالملل، ينظر حوله يتأمل وجوه المارة ، لا أحد يعيره اهتماما ، الكل ينطلق كالبرق من حوله، الكل لا يعرف الكل، الكل مشغول بنفسه، الكل لا يهتم بالكل.
أجساد تغدو وتروح ، أجساد تتداخل وتتشابك وأخرى تتنافر، بقع من ظل تختفي وتظهر تتراقص أسفل قرص شمس شاحب مصفر، يضن عليهم ببعض من دفئه .
جذبته واجهات العرض و أشباه نساء عاجية عارية داخلها، وبعض من الملابس الصغيرة التي لا تستر إلا ما يجب ستره.
أصابه الدوار، عندما دقق النظر في الأرقام النائمة في أحضان قصاصات الورقة الصغيرة، رقم واحد منها يكفيه وأسرته شهرا كاملا.
قلب ناظريه ارتدا إلي أجساد من لحم ودم، أخذته الشفاه المتفجرة بالدماء وخدود هي مشاتل ورد بلدي، وتلك الجبال الشامخات حلمن أن يمزقن قيدهن ويتحررن، منى نفسه بتسلقهن… الروائح المنبعثة من كل الأرجاء كادت تصيب جيوبه الأنفية.
لم تتعود أنفه علي هذا الطيب، فهو لا يشتم سوى رائحة التراب أو رائحة ملابس زوجته البالية إذا ما استحمت كل جمعة عندما يحضر هو دلو الماء علي كتفيه من أول الشارع ، كل صباح يتشاجر مع جيرانه التعساء في سباقهم المحموم لقضاء حاجتهم.
تسأل عيون زوجته الذابلة، التي لم تر الشمس لأسابيع كتلك البحور المتلاطمة أمواجها ما بين الحسن والسحر، او جلدها المتهدل وتلك الأخاديد علي وجنتيها والتي حفرتها أنهار دموع الجوع والعطش والحرمان! أزعجه ما رأى.
أسلمته أقدامه إلي المقابر تخطي الحياة عائدا خائبا مدحورا..
جلس أمام أول بوابة حديدية مرشوقة في بناية من الرخام الفاخر، تساقطت عليه العملات المعدنية من كل اتجاه ، كان له حظ وأفر من الخبز والكعك والفواكه حمل ما يستطع حلمه، هدأت النار بداخله قليلا، استقبلته زوجته وأطفاله استقبال الفاتحين أغدق مما فاض علي جيرانه البؤساء، قضى يوما استثنائيا، تمدد بعد عناء يوم شاق، غفي الحلم داخله خجلا، ألقي به علي أول بوابة قابلته، عرف الطريق جيدا، تغذى علي رائحة الموت، بنى أجساد صغاره من أجساد في طريقها للتحلل والفناء، تلاشت المسافات بين الموت والحياة، امتزجت كل الألوان، النحيب والنواح يطربه، يرقص قلبه فرحا على نغمات المعددين ، تنتفخ جيوبه كلما تزاحم المعزون، تعلم أن يتمتم حروف تشابكت كلها وتاهت مخارجها، أدمن سقوط دمعتين كاذبتين والمسح علي وجه بخشوع زائف صار يكني الشيخ