قصة للاطفال- صعودٌ إلى الهاوية- م/ محمد نجيب مطر
كان نهارًا خريفيًّا ناعمًا، حين دخل الرجل العجوز بهدوء متحف العلوم، معطفه الطويل يتمايل مع خطواته الهادئة، ودفتر صغير بارز من جيب صدره، كأنه طبيب جاء يكتب وصفة، لا زائرًا يراقب تجارب أطفال. في بهو المتحف، تدفّقت ضحكات الصغار وتراكمت دهشة الكبار، وكان في الزاوية لعبةٌ تحمل عنوانًا غريبًا: “الانحدار الصاعد”.
تقدّم الطفل الصغير بثقة، وضع أسطوانة معدنية عند أعلى السطح المائل، فانزلقت إلى أسفل بسهولة تامة، كما ينبغي لكل شيء ينتمي لهذا العالم. “هكذا تقول الجاذبية”، صاح الطفل كمن يردد درسًا فيزيائيًا يحفظه عن ظهر قلب.
لكن اللعبة لم تنتهِ.
تقدّم الطفل ذاته، بفضول أكبر هذه المرّة، يحمل بين يديه قطعة خشبية غريبة، مخروطًا مزدوجًا، بدا كأداة خرجت من معمل ساحر لا من ورشة نجار. وضعه في الأسفل… ثم انتظر.
وبدون تحفيز، تحرّك المخروط عكس اتجاه العقل، وصعد بنفسه نحو الأعلى، متدحرجًا بكل ثقة، غير آبهٍ بنيوتن ولا بتوقعات المتفرجين. خفَتت الضحكات، وبدأ الهمس، ثم صاح الطفل: ذا مستحيل! هذا يخالف قوانين نيوتن!
كان الرجل العجوز يراقب المشهد في صمت. اقترب ببطء، كأنما يحمل سرًا يريد أن يهمس به للمادة ذاتها. انحنى، تناول المخروط من على المنحدر، أوقفه بيده، ثم انخفض بمستوى نظره إلى ارتفاع المنحدر، وراقبه من زاوية أخرى. ابتسم.
أخرج دفتره الصغير وكتب بخط متأنٍّ:
“المخروط يصعد، ولكن مركز ثقله في الحقيقة يهبط. إن ما يبدو لنا صعودًا، هو في الحقيقة نزولٌ أعمق… فقط من زاوية أخرى.”
أغلق دفتره، ثم نظر للطفل وقال: ما رأيته ليس خدعة، بل هو درس من الكون نفسه… أحيانًا، يا ولدي، ما يبدو مخالفًا للعقل، ليس إلا نتيجة لأننا ننظر من زاوية واحدة.”
حدّق الطفل في الرجل طويلاً، ثم نظر مجددًا إلى اللعبة، وكأن ما صعد لم يكن المخروط فقط، بل فكره أيضًا.
ثم التفت الرجل إلى الجمع، وقد صار الجميع يلتفون حوله، كبارًا وصغارًا. قال بصوته الدافئ العميق:
– “كم من أشياءٍ في الحياة تشبه هذا المخروط! رجلٌ يصعد في الظاهر، ولكن قيمه تهوي في العمق… وآخرٌ يبدو منكسرًا، لكنك لو اقتربت من زاويةٍ أخرى، لرأيته في طريق المجد يعلو.”
وغادر المتحف، كما دخل، هادئًا، ومعطفه يتمايل في مهب الخريف… وبقي الأطفال يحدقون في اللعبة، وفي السماء، وفي أنفسهم، كأنهم رأوا الحياة أول مرة من زاوية مركز الثقل.