تابع خلاصات الموقع الخلاصات

جنية على البحر- م/ محمود عبد الحميد

الكاتب : | بتاريخ : 03-03-2025 | التعليقات (0)

في البدء كان البحر والفتاة ذات الثوب الأزرق الذي يكشف عن نحرها اللامع بفعل نور الشمس، وأنا الكهل الذي تجاوز عمره الأربعين عاما. الجو رائق جميل، والسماء أزرق أديمها. العصافير التي لم أرها منذ زمن بعيد تزقزق في هدوء. ومن بعيد يلوح صياد يلقي بشباكه في البحر، فيبدو في ضوء الشمس كإله البحر بوسيدون كما تخيله الاغريق، فقط لو أن الأخير يصطاد سمكا.

اقتربت مني الفتاة فجفلت عيناي، همست في أذني أني أحبك. قالت أيضا: في اليوم الثامن عشر سنعمد حبنا على ضفاف البحر الهادر بين جنائن من زهور التوليب وأشجار النخيل. قلت لها: أنت مخطئة فأنا لست سوى كهل طحنته السنون، يبدو أن الأمر اختلط عليك، لست أنا من تقصدين. أكملت هي كلامها وبدا لها أنها لم تسمع ما قلت: في اليوم التاسع عشر سيشتد المطر الكثيف لهذا لن يستمر هذا الحب. ستذهب السكرة ويبقي الألم. قالت أيضا: لن تنساني أبدا سأصبح لعنتك التي ستنكأ جروحك صباحا ومساءا.

الصياد يبدأ في رفع شباكه، يشعر بثقلها فيستبشر بالخير الوفير، ريح خفيفة تهب فتدغدغ وجوهنا بلطف كلمسة أم حنون لرضيعها.

ساد الصمت للحظات فانتهزت الفرصة قلت لها: في الزمن البعيد كنت أعيش بالقاهرة في الميدان الفسيح حيث الصبايا الجميلات والفتيان الشجعان. كان حينها طائر الكروان يخلب الآذان بصوته الجميل. شاب نحيل يخطب في جمع غفير، يتوسط الجمع رجل عجوز أحنته السنون، وفتاة تنظر في شغف لعيني الفتى الضيقتين. كانت القاهرة بهية كما لم تكن من قبل. قالت لي: لا أعرف القاهرة. قلت: لا بأس ففي النهاية هي مدينة عجوز أنهكتها السنون، لم يعد سهل التعرف عليها إلا بمنظر جنودها العابسين المذعورين في أبراجهم التي تحيط بحصون اليأس. يخيل لي أنني لم أعد أعرفها  أيضا… لكن في تلك اللحظة البعيدة كانت فتية كما لو أن جوهر الصقلي انتهى من بنائها توا، كان في الجو نسمات هواء باردة تنعش الأجساد المتعبة، والشمس كانت على وشك الشروق بعد قليل، ذلك حين انتهى الفتى من كلمته فالتهبت الأيدي بالتصفيق. الفتاة تردد في حماس كلمات الفتى الأخيرة أما العجوز فقد دمعت عيناه، رغم أنه لم يستمع لكلمات الفتى بتركيز لكن يكفيه أنه يشهد مجد القاهرة من جديد، قاهرة تشبه القاهرة الناصرية في يناير 67  قبيل المؤامرة الكبرى. كانت إحدى اللحظات الجميلة القليلة التي شهدتها تلك المدينة العجوز.

قلت أيضا: فيما بعد سينكر العجوز كلمات الشاب حين يرددها عليه أبناؤه ليذكرونه بإيمانه القديم، سيخبرهم أنه لا يتذكر سوى كلمات الشاب الآخر الذي ارتدى البذلة العسكرية ولكن خانه الجميع في العام السابع والستين. حينها علي باب المطار سيكون الشاب المفوه يقبل الفتاة الشغوفة ويودعها للأبد في طريقه لجزيرة بعيدة، بينما الظلام يغلف المشهد الكئيب.

قالت لي دعنا من سيرة المدن المجهولة. قالت: كان لي أب، يعود كل مساء محملا بالحلوى، كانت هناك مروج خضراء وأشجار تفاح ونهر طويل. بعد أن ينتاول الطعام كان يحكي لي أبي عن الجنية التي ستظهر في  منتصف الليل في اليوم الموعود لتحملني بعيدا حيث البلاد التي تحتفي بالفتيات الحسناوات. هناك يمكنني أن أركب دراجة أو أجرب أن أجري بينما ثوبي الفضفاض يتطاير بفعل الهواء، فيبتسم من يراني ولايرمقني شذرا. في تلك البلاد يمكنك أن تستمتع بحضن أبيك كل يوم دون أن ينقبض قلبك لأنك تدري أن هذا الحضن ربما يكون الأخير. كنت أنتظرها كل مساء بعد أن يأوي الجميع للفراش. في اليوم الرابع عشر بعد المائة سمعت أخيرا دبيب خطواتها الثقيلة، لكنني لم أرها قط. فقط رأيت أبي يسير بين هؤلاء الرجال الشداد الواجمين القابضين على مدافعهم المخيفة، لوح لي أبي في صمت، لم يقبلني في تلك الليلة لكنه قبل أن يختفي هتف لا تيأسي الجنية قادمة من أجلك. لكنها لم تأت حتى الآن ولم أر أبي ثانية.

الصياد لا يزال يرفع الشبكة، صبي صغير يبني قلعة جميلة من الرمال على بعد عدة أمتار، موج البحر يعانق الشاطئ برفق.

قلت لها: قبل أن آتي ودعت آخر الرفاق، حضنته وهمست في أذنه ألقاك على خير، ثم أكملت في سري غالبا في الحياة الأخرى. كان الوقت غسقا، الشمس تميل للحمرة فتصبغ السماء بدم أحمر قانٍ. الطائرات تبدو من بعيد كغربان تنعق في صمت،  الريح تصفر في أذني، ذلك حين بدأت أن أسرع من خطوتي بينما ظلال الطيور المعدنية  المخيفة تطادرني. بدأت في الهرولة، بدأت في الصراخ، أحبالي الصوتية على وشك الانقطاع أصبحت كخيط بالي قديم، وتر في عود استهلكته موسيقي الصراخ،  الطريق الترابي يشهد وقع خطوات قدمي المتخاذلة التي كدها التعب… وصلت للمقابر في جوف الليل، شواهد القبور تلوح من بعيد كأشباح مخيفة لرجال أشداء.

قالت لي: توقف إني خائفة. قلت لها: لا تخافي، فالخوف هناك تحت التراب راقدا ينظر عن كثب لفتحة الرصاص التي تزين جبهة علاء، يفكر أين ذهب مخ الطبيب الذي احترق، غير عالمٍ أنه كان يقبع هناك في الميدان الفسيح حيث وجدوا جثته، تلوكه الأرجل وإطارات السيارات.

قالت لي بينما عيناها تدمعان: أعرف علاء

. نظرت لها في دهشة فأكملت: كنت أحب فتى، في القرية الكامنة في وسط الجبل الذي كان مكسوا من قبل بالمروج الخضراء في زمن ما قبل رحيل أبي. فات عشر سنوات منذ أن هتف أبي أن الجنية قادمة، لم تأت الجنية لكن ظهر علاء، يخيل لي أن القرية حينها – بعد أن ظهر علاء – كانت تشبه مدينتك تلك التي تدعى القاهرة، أقصد في لحظتها الفتية.

وقعت في حبه بمجرد أن رأيته، تحدث إلى كأنه يعرفني منذ زمن بعيد. أخبرته عن الجنية، أخبرني أنه يستعد لدراسة الطب في العاصمة العام المقبل. وعدني أنه سيظل يبحث عن الجنية هناك. مئات المرات نذهب لنتنزه على شاطئ النهر الذي جف، يخبرني والحماس يتقد في عينيه أنه سيعيد لتلك القرية بهاءها الأول مع أصدقائه.

في البداية ضحكت منه، ثم صدقته، ثم ودعته قبل أن يجتاز الجسر للعاصمة اللعينة وقبلته، وأخبرته أنني في انتظاره ولكنه لم يأت بعد!

أخبرني أصدقاؤه أنهم شهدوه يصارع عفريت أسود ليحرر الجنية، البعض الآخر أخبرني أنه سافر لجزيرة بعيدة بعد أن يأس من إيجاد الجنية.

تصمت بينما الدموع تنساب على وجنتيها كنهر يفيض.

انتهي الصياد من رفع الشباك، الشباك خاوية على عروشها، ينظر الصياد إليها في دهشة قبل أن يقفز في البحر العميق الذي تبدأ أمواجه في الاضطراب،  تمر دقيقتان ولم يظهر الصياد بعد. الصبي الصغير يبكي بعد أن هدمت الأمواج قلعته ويجري ناحية الطريق باحثا عن أمه.

تمسح الفتاة دموعها وتقول لي: الشمس علي وشك المغيب، يجب أن أذهب. اقترب منه وألثمها. يد غليظة علي كتفي تقاطعني، أنظر خلفي، فلا أرى أحدا، التفت ناحية الفتاة فلا أجدها بينما الصياد لازال لم يظهر بعد!

 

أضف تعليقك